محمد كرد علي

141

خطط الشام

كالفيروز والنحاس والمغنيزيا فحفروا أول قناة بين النيل وبين البحر الأحمر . ولما كان النيل يصب في البحر المتوسط أصبح من الممكن إذ ذاك مرور المراكب بين هذين البحرين . ولا تعرف اليوم تلك القناة الصناعية ولا ذلك الفرع الذي حفرته يد الإنسان ، ولا شك أنه كان ثمة فرع طبيعي لنهر النيل العظيم جف ماؤه منذ العصور الجيولوجية أي قبل ظهور الإنسان . ويؤكد بعض المؤرخين أن هذا الفرع كان في زمن رمسيس الثاني والناظر إلى خريطة مصر يتمثل لعينيه هذا الوادي القديم وادي تومات ، وفيه قسم من الأراضي الخصيبة المنبتة يقطعه الخط الحديدي بين الزقازيق والإسماعيلية وهذا الوادي هو الفرع القديم الجاف لنهر النيل وهو موضع القناة القديمة . فمجرى هذه القناة يتقارب جدا من القناة الحالية التي تجري فيها المياه العذبة لإرواء الأرضين الواقعة بالقرب من ترعة السويس . ويظهر أن سلسلة البحيرات المتقطعة الواقعة على طريق هذه الترعة كانت متصلة قديما بخليج السويس الطويل ويجري إليه فرع النيل الشرقي القديم المبحوث عنه . ويظهر من درس الأراضي والارتفاعات والمستحاثات أن أحجار البسوط قد ارتفعت قليلا ولا ريب أن المواصلات كانت على أتمها زمن الإمبراطورية الوسطى وفي عهد الإمبراطورية الجديدة . فكانت القناة الأولى تصل نهر النيل ببحيرة التمساح ، وذلك في عهد الأسرة الثانية عشرة إلى التاسعة عشرة أي منذ ألفين إلى ألف ومائتي سنة قبل الميلاد . وأن قناة ثانية من عهد الفراعنة أيضا وفي زمنهم الأخير المعاصر للفتوحات الفارسية أي منذ خمسمائة وخمس وعشرين سنة قبل الميلاد ، كانت تصل نهر النيل ببحيرة المرة الكبيرة بواسطة وادي تومات وهذه هي القناة التي قام بحفرها وإصلاحها بسامتيك ونيخاووس من السلالة السادسة والعشرين وذلك بين سنة ( 610 و 594 ) قبل الميلاد . وكان مشروعه يقضي بتجديد الفرع القديم لنهر النيل المنفصل عنه في منطقة بوباشيس والمار في وادي تومات . إن هذا العمل الذي ذهب بحياة مائة وعشرين ألف عامل كما ذكر ذلك المؤرخ الشهير هيرودوتس خلال رحلته إلى مصر ( أي بعد سنة أربعمائة وتسع وأربعين ق م ) لم ينجح وترك قبل إتمامه ، لأنه أوحي إلى الملك نيكو على ما يقال بأن عمله خدمة للبرابرة